السبت، 21 نوفمبر، 2009

الطريق إلى العزلة يبدأ من الجزائر





ربما لو قدر لي أن أذهب إلى استاد المريخ في الخرطوم يوم 18 نوفمبر، ما كنت كتبت هذه السطور، ربما كنت شاركت في اللعنات والسخط والحنق، وكل المشاعر السوداء التي اصبحت تثقل قلوب أغلب المصريين تجاه كل ما هو جزائري.. لكنني شاهدت المباراة المشئومة (مشئومة لأننا خسرناها، ومشئومة لما سبقها وتبعها من أحداث) في منزلي، كما كنت قد شاهدت سابقتها التي أقيمت في استاد القاهرة، وفيما قبل المباراتين وما بينهما وبعدهما، تابعت –من منزلي أيضاً- المعارك الإعلامية الحامية، التي تصاعد سعارها بغير سيطرة من كل جانب، حتى تمت ترجمتها الى معارك حقيقية، بين بشر حقيقيين، بزجاجات المولوتوف والسلاح الأبيض، في شوارع وهران والجزائر العاصمة ثم في الخرطوم.
حسناً، ما أسهل أن تفور دماءنا، ونصب حمم غضبنا على أدمغة وسيرة وتاريخ الجزائر حكومة وشعباً.. فنحن في حقيقة الأمر، لا نهب ولا نثور ولا ننفعل بمثل هذه الحرية الا نادراً.. من النادر جداً ان تندفع الجموع الغاضبة في شوارعنا، دون أن تخشى هراوات الأمن المركزي، أو ضربات فرق الكاراتيه، وبالتالي نحن أمام فرصة عظيمة للغضب والصراخ لا تتبعها عواقب مثيرة للندم.. إذا فكرنا أن نهب مثل هذه الهبة الإعلامية والشعبية ضد السفارة الإسرائيلية، أو المصالح الإسرائيلية في مصر، فلن يحدث ما تحمد عقباه.. إذا قام صحفي في جريدة رسمية قومية، بوصف السفير الإسرائيلي بالخنزير، في برنامج اذاعي على موجة حكومية، فلن يمر الأمر مرور الكرام.. لكن لا بأس أن يفعل ذلك مع سفير الجزائر، ولا بأس أن تكون غضبتنا على سفارة الجزائر، ولا بأس أن تنطلق الدعوات لضرب مصالح الجزائريين في القاهرة، واستهداف الطلبة الأزهريين منهم.. لا بأس في كل ذلك، فقد سمحت به القيادة السياسية والأمنية على كافة المستويات، أو على الأقل لم تمانعه، وغضت الطرف عنه.
لكن، وبعد كل هذا الغليان، هل يبقى لنا شيء من عقل لننظر ماذا اقترفت أيدينا؟ هل يمكن أن نلتقط أنفاسنا، وننظر خلفنا، فنرى كيف حفرنا بسواعدنا ذلك الخندق العميق المتسع، بيننا وبين شعوب كنا نعتبرها شقيقة، وهم اعتبرونا كذلك في يوم ما؟
لن أتحدث عن أولائك الذين وصفوا الشعب الجزائري بالهمج أو البرابرة أو الإرهابيين أو البلطجية أو... أو... بل الخطاب الذي يعنيني هو ذلك الصادر عن المعتدلين، الذين يبدون متمسكين بصوت العقل، فعندما تتابع كلامهم على مدار الأسابيع الماضية، تستطيع أن ترى بوضوح كيف استطعنا أن نزرع الضغائن في صدور الجزائريين.. النغمة الثابتة عندهم لعلاج أي خلاف مع الجزائر، هي نغمة فوقية مثيرة للحنق، دون أن يقصدوا ذلك غالباً: "نحن الذين ساندنا الجزائر في ثورتها، ولولا عبدالناصر ما تحرروا، نحن الذين أسسنا مدارس الجزائر وجامعاتها ومعاهدها، ولولانا ما تعلموا.. ونحن كذا.. وكذا.. وكذا" يقولون كل ذلك على خلفية تأكيدهم على عمق العلاقات المصرية الجزائرية، ودون أن يتنبهوا لكمية الإهانة والاستعلاء والتكبر التي تغلف هذه العبارات، خاصة أننا نتحدث عن تاريخ قديم نسبياً بحساب الأجيال، مر عليه ما يقرب من الأربعين عاماً، ولا يفترض بصبي جزائري في الخامسة عشرة، أن يكون ممتناً لمصر لأنها علمت جده في معهد أزهري في الستينيات.. كما أن المنطق يؤكد أن العلاقات السياسية ليست مبنية على الجدعنة والشهامة، وانما هي مصالح استراتيجية دائماً، وبالتالي فإن مساندة مصر للجزائر وغيرها من الدول العربية والإفريقية في الستينيات، كان من منطلق تقوية الأعماق الاسترتيجية لمصر، وخلق مجالات ضغط في السياسة الدولية، وجزء كبير من هذه العملية، كان له علاقة بالتوازن العالمي بين القطبين الروسي والأمريكي، حيث كانت مصر لاعباً رئيسياً وقتها.. وخلاصة ذلك، أنه من غير المعقول أبداً أن نعاير شعوب هذه الدول بما فعلناه سابقاً من أجل مصالحنا، لكن يبدو أن هذا هو طبعنا دائماً، بدليل أننا من حين لآخر نمن على الفلسطينيين ونعايرهم بحروبنا مع اسرائيل، رغم أنها جميعاً كانت حروباً لحماية حدودنا المباشرة، ورغم أن موقفنا البديهي من إسرائيل، يجب أن يكون موقف أمن قومي، وليس مجرد جدعنة مع الشقيقة فلسطين.. المدهش بحق في الأزمة الأخيرة، أن الإعلام الرسمي تبنى هذه النغمة الفوقية تجاه الجزائر بكثافة، رغم أن السياسة المصرية ابتعدت عن كل مآثر الستينيات تجاه الجزائر والعرب عموماً، ويبدو الأمر كما لو أن النظام الحالي، يسعى حثيثاً للاستفادة إعلامياً من انجازات النظام القديم، بينما يقوم بنسف هذه الإنجازات وبقاياها على أرض الواقع.
إلى جانب هذا الاستعلاء الفطري، قام إعلامنا بالنفخ في واحدة من أسوأ سماتنا النفسية والاجتماعية المصرية، وهي سمة التطرف العنصري، وإلا فما معنى أن تقوم أغلب عمليات التعبئة والحشد الجماهيري على أساس ان "ربنا هاينصرنا عليهم".. انه خطاب ديني غريب ومستفز وفي غير موقعه.. الحملات الإعلانية، الأغاني، البرامج الرياضية، كلها بلا استثناء تبنت فكرة الرعاية الإلهية لمنتخب الساجدين، وفكرة أن ربنا بيستجيب دعاء المصريين لأنهم شعب مؤمن، وبغض النظر عن أنه لا مجال أصلاً لإقحام التدخل الإلهي في كرة القدم، ولا في الربط بين الانتصارات الكروية والالتزام الديني، فإن هذه الطريقة في تناولنا للموضوع وضعت الجزائريين شعباً ولاعبين في موضع غير المستجاب لدعائهم، لدرجة أن ظهرت تلميحات في بعض البرامج، بأن لاعبي المنتخب الجزائري تربيتهم أوروبية بعيدة عن الأخلاقيات الإسلامية! فإذا وضعنا في الاعتبار أن فضائياتنا وبرامجنا تحظى بنسب مشاهدة عالية في الجزائر، لنا أن نتخيل حجم سخطهم علينا بسبب هذه العنصرية، وربما شاهد بعضكم ذلك الشاب الجزائري الذي خاطب "عمرو أديب" في كليب خاص، وقال له "لقد نجحت يا عمرو في جعلي أكره مصر والمصريين، عندما دعوت الله قائلاً: يا رب نكد على الجزائريين؟" لقد كانوا يشاهدون كل شيء، وبالتالي ملأهم الحنق من كل شيء.
من سيء الى أسوأ، سار إعلامنا "الرائد"، تحت غطاء سياسي وأمني رسمي، وبمباركة شعبية تبحث عن أي أمل في أي انتصار، سار في طريق التصعيد الأعمى، فلم يكتف بالعنصرية، ولا بالعنجهية، بل احترف الكذب عقب زيارة المنتخب الجزائري لمصر للمباراة الأولى.. عندما تعرض المشجعون الجزائريون للضرب في القاهرة، وصل الخبر الى الجزائر بشكل مبالغ فيه، وادعت بعض صحفهم سقوط قتلى، فكان الرد من اعلامنا، تكذيب كامل، وتسفيه لكل ما ذكره الجزائريون.. رغم أن اعترافاً جريئاً بما حدث، واعتذار سريع عنه، وتوضيح لحقائق الأمور، كان كفيلاً بتحجيم المشاكل ووضعها في نصابها الحقيقي، خاصة أن المباريات الحساسة في كرة القدم، من النادر ان تمر بسلام بين الجماهير المتعصبة.. لكن التكذيب من ناحيتنا، سمح بالتهويل من ناحيتهم، وهو ما أتى ثماره في تهييج الشعب الجزائري، وتأليبه على الجالية والمصالح المصرية هناك، ثم كانت الحلقة التالية في الخرطوم، حيث اعتبر الجزائريون أنها ستكون موقعة رد الاعتبار لمن لحقهم الأذى في القاهرة.. وعندها فقط عرفنا أن ما حدث في القاهرة كان حقيقياً، وأن عشرين من مشجعي الجزائر تعرضوا لإصابات مختلفة، فلماذا كان الإنكار من البداية؟ إنه باختصار الفشل السياسي والإعلامي والثقافي في التعامل مع الملف بأكمله.
تخيل معي، أهل ديروط في محافظة أسيوط بالوجه القبلي، تخيل أن مدينة من وجه بحري اتهمتهم بالبعد عن الله، ثم أمطرتهم بوابل من المعايرة على مشاريع تم انشاؤها عندهم، ثم جاءهم خبر أن أبناءهم في تلك المدينة البحرية يهانون ويضربون وبعضهم سقطوا قتلى.. تخيل كل ذلك، وقل لي كيف سيكون رد فعل أهل ديروط؟ ربما لا نحتاج للخيال، فنحن نعلم جيداً بأس الصعايدة وحميتهم وسرعة فورانهم وعصبية ردود أفعالهم، نعلم ذلك من حلقات الثأر التي لا تنتهي، ونعرفه من الدموية التي تتخذها الفتنة الطائفية إذا ما اشتعلت شرارتها عندهم.. لكن المؤلم أن أحداً من مسئولينا أو مستشاري أمننا القومي، لم يكن على دراية بأن الشعب الجزائري يقترب في سماته من أهل ديروط، وبالتالي لم يكن عندنا أي إدراك لما يمكن أن تصل إليه الأمور.
انتهت المباراة، ووصلت الجزائر إلى كأس العالم، وعاد أغلب المشجعين المصريين في السودان، والبقية في الطريق.. وخلال أيام ستهدأ الأحوال بالنسبة للمصريين في الجزائر.. حصيلة إصاباتنا المباشرة، كانت واحد وعشرين مصاباً في الخرطوم، وحوالي عشرين مصاباً في وهران والجزائر العاصمة، كلها اصابات طفيفة حسب البيانات الرسمية.. أي أنهم في المجموع أقل من الإصابات الناجمة عن مباريات الأهلي والمصري في بورسعيد إذا ما كانت المباراة حاسمة وحساسة.. حسناً، بحسابات كرة القدم البحتة، يمكن اعتبار أن الواقعة انتهت بأقل خسائر ممكنة.. لكن ماذا عن خسارتنا العظيمة، خسارتنا للجزائر، وخسارة الجزائر لنا، وهي الخسارة التي لن تعوض قريباً على ما يبدو؟ الواضح أننا دفعنا ثمن غض طرف سياسي من البلدين تجاه التصعيد الإعلامي، فمن مصلحة النظامين أن يلتهي الناس بأمر المباراة الى اقصى درجة ممكنة، ومن هنا تم اطلاق السعار الإعلامي بلا رابط، حتى أفلتت الخيوط، وتدهورت الأوضاع بشكل لم يكن متوقعاً وخرجت عن السيطرة.
وبعد الجزائر، هل نملك ضمانات أن شيئاً شبيهاً لن يحدث مع ليبيا في يوم ما، أو مع السودان؟ أو تونس أو المغرب؟ هل يمكن أن تحدث نكسة كهذه مع سوريا؟ أو السعودية أو عمان؟ على أرض الواقع، وبناءاً على الرؤية القاصرة الضبابية التي تقودنا سياسياً وإعلامياً واجتماعياً، لا تستبعد أبداً أن يتكرر ما حدث مع أي بلد عربي، فكل الخطايا التي ارتكبناها مع الجزائر والتي ذكرناها في السطور السابقة، نرتكبها بمقادير مختلفة مع كل العرب.. تستطيع أن تقرأ التحليلات والمقالات الآن، ستجد سؤالاً مرعباً يسيطر عليها، (لماذا يكرهوننا؟) هل نستوعب أن هذا السؤال نفسه، سألته الولايات المتحدة عقب حادثة برجي سبتمبر؟ وقتها اعتبر الأمريكان أن العالم الثالث يكرههم لأنهم متفوقون، أحرار، متقدمون، وبالتالي يثيرون الغيرة في نفوس المتخلفين.. رغم أن حقيقة الأمر لم تكن كذلك، المسألة لم تكن كراهية أو غيرة، بل رفض لسياسية التعامل المستفزة والعنجهية.. تخيل أننا الآن نتساءل حول علاقتنا بالعرب بنفس اللسان الأمريكي، ويحاول بعضنا أن يصور لنا أننا مكروهون بسبب تفوقنا وعظمتنا.. وكأننا نتدحرج من قمة جبل إلى هاوية سحيقة، هاوية العزلة الكاملة وتقطيع الأوصال.

الجمعة، 6 نوفمبر، 2009

رعب الكاميرا




إذا جلس أي شخص في ميدان التحرير ومعه ورقة وقلم، أو "لاب توب"، في وضح النهار وأمام كل الناس، وأخذ يدون كل مشاهداته وانطبعاته الدقيقة عن كل مايحدث في الميدان، لن ينهره أحد، ولن يفكر أي ضابط أو عسكري ممن يكتظ بهم المكان في سؤاله عما يفعل، أو في الاستفسار منه عن طبيعة ما يكتب، حتى لو استمر فعل الكتابة عشرات الساعات.. لكن، إذا جاء شخص آخر، ومعه كاميرا سينمائية أو ديجيتال، ليسجل نفس مشاهدات الشخص الأول بالصورة بدلاً من الكلمات، فلن يستغرق الأمر أكثر من خمس دقائق، قبل أن ينبري له ضابط كبير ليسأله عن "تصريح التصوير"!
لست صاحب هذه الملاحظة شديدة العمق والاختصار، بل هو صديقي المخرج المحترم"إبراهيم البطوط"، حيث دارت الدردشة مع أصدقاء مشتركين، حول طبيعة علاقة السينما بالرقابة وبالنظام الأمني॥ خلاصة الدردشة، أن "رعب الصورة" يتملك القائمين على الأمن، أكثر مائة مرة من "رعب الكلمة"، ذلك أنك تتحدث عن مجتمع تسوده الأمية بنسبة تتجاوز الخمسين بالمائة، فضلاً عن أن معظم القادرين على القراءة لايقرؤون، سواءاً لأنهم لا يحبون القراءة، أو لأنهم يوفرون ثمن ما يمكن أن يقرؤوه، أو حتى لأنهم لا يفهمون ما يقرؤونه॥ بينما للصورة قدرة لا نهائية، في اختراق الحواجز والوصول الى الجميع عبر وسائط عديدة، فضلاً عن جاذبيتها وسحرها وإمكاناتها في التأثير.. إذا كتبت مئات السطور لتصف مهانة راكبي أتوبيس النقل العام، أو هوان الواقفين في طابور الخبز، ستجد أن لقطة مصورة لا تتجاوز الثلاثين ثانية لنفس الموقف، كفيلة بتوصيل أضعاف المعاني التي قصدتها في كتاباتك.. من هنا، يبدو النظام الأمني حريصاً على خلق سلسلة من الفلاتر والمرشحات، قبل خروج أي مادة مصورة للنور، لضمان السيطرة على حجم التأثير قدر الإمكان.. فإذا كنت بصدد صناعة فيلم مثلاً، عليك أن تنال الموافقة على السيناريو أولاً، وهي مسألة تتداخل فيها جهات عدة حسب طبيعة كل سيناريو، ثم إذا نجحت في ذلك، فعليك أن تحصل على تصاريح الداخلية للتصوير في الأماكن المختلفة، وهي تصاريح لا تتوقف فقط على طبيعة المكان، بل تتضمن الموافقة على أسماء طاقم العمل، وبعدها يجب أن تعرض ما قمت بتصويره على الرقابة مرة أخرى، لتنال إجازة بالعرض العام.. بديهياً، تبدو الخطوة الأخيرة فقط كافية لتأدية الغرض الرقابي، فما أهمية الخطوات التي سبقتها؟ إنه التأكيد على زراعة القلق في نفس المبدع بالصورة.. مع كل خطوة يخطوها عليه أن يتذكر أنه ليس حراً، وليس من حقه أن يفكر بعيداً عن القيود، وبالتالي سيتجه تلقائياً مع كل خطوة للحذف والتعديل والتنقيح والمواربة، كي يحاول الإفلات بمشروعه من شبح الرفض، وهكذا سيفقد مع الوقت طزاجة موضوعه، وسيخفت تأثير صورته।أدعي القدرة على تقييم السيناريوهات الروائية، وخلال الشهور القليلة الماضية كنت محظوظاً بقراءة اثنين من أجمل وأعمق السيناريوهات وأكثرها جاذبية.. بالصدفة ذهب العملان إلى الرقابة في توقيت واحد تقريباً، لكن لم تكن صدفة أبداً أن ترفض الرقابة كليهما، رغم أن أياً منهما لا يتطرق إلى موضوعات سياسية حساسة بأي شكل.. كل ماهنالك أنهما ينتميان لنوعية الأعمال الصادقة، الطازجة، الناضجة، القادرة على التأثير في النفوس।

نقطة نظام فنية




كثيراً ما أجدني متورطاً في موقف كهذا: أشاهد فيلماً، ويكون رأيي فيه أنه فيلم مقبول، يستحق المشاهدة، لأن به من المميزات كذا وكذا، لكنه للأسف يعاني من مشكلات كذا وكذا.. ثم أقابل صديقاً شاهد الفيلم نفسه، فأسأله عن رأيه، فيرد بمنتهى القطعية والحدة "زبالة"! أو يرد بمنتهى الاندفاع والحماس "تحفة"!
رغماً عني أتورط في نقاش مع الصديق حول الفيلم، أحاول أن أبين له فيه مدى تطرف رأيه، فالفيلم ليس "زبالة" أو ليس "تحفة".. مع انتصاف النقاش أجدني وقد اتخذت الطرف المقابل للصديق، أدافع عن الفيلم باستماتة أو أهاجم عيوبه بشراسة، رغم أني لم أكن أبداً أنوي اتخاذ مثل هذا الموقف.. عندها أضطر لفرملة عجلة الجدال، وأكتفي بالإيماءات والهمهمات، حتى أتخلص من عبء الهجوم أو ضغط الدفاع عن عمل كنت محايداً بشأنه.
الواضح أننا بشكل عام نميل للأحكام القاطعة، حيث يتصور كثيرون أن التقييم المتوازن يعني بالضرورة عدم وضوح الرؤية، أو أن ذكر المميزات والعيوب في رأي واحد دليل على الارتباك، أو أن كلمة "لكن..." لا تليق إلا بالمتنازلين عن ثوابتهم أو المتراجعين عن مبادئهم أو الواضعين للعلاقات والحسابات الشخصية مكاناً بارزاً نصب أعينهم.. مع أن "لكن.." هذه كلمة في غاية الروعة، تتيح لمستخدمها فرصة عظيمة ليصبح شخصاً موضوعياً.
بغض النظر عن أن ميلنا للأحكام القاطعة المتطرفة، مسألة تتعلق بكل شئون حياتنا على جميع المستويات، بدءاً من الدين والسياسة، ونهاية بكرة القدم.. فإن ما يعنيني هنا، أن تقييم الأفلام لا يجب أبداً أن يخضع لمثل هذا الأسلوب في الحكم.. أذكر عندما عملت مع صديقي، المحلل السينمائي "علاء كركوتي"، في مجلة "سينما أون لاين" قبل ست سنوات، كنت منبهراً بالفكرة التي اقتبسها من المطبوعات السينمائية الأجنبية، وهي استخدام خمس نجمات لتقييم الأفلام إضافة للمقال النقدي، نجمة واحدة تعني أن الفيلم ضعيف، ونجمتان تعني أنه مقبول، وثلاثة جيد، وهكذا.. انبهرت لأنه أسلوب يجبرني على الموضوعية، فهناك خمس درجات مختلفة لتقييم أي فيلم، وليست درجتان فقط، ومعنى أن فيلماً استحق نجمتين فهو بالتأكيد يحمل بعض المزايا أكثر من الفيلم ذي النجمة الواحدة، وبه مشاكل أكثر من الفيلم ذي النجمات الثلاثة.. وعندما عملنا على مشروع مجلة "جود نيوز سينما" قبل أربع سنوات، طورنا النجمات الخمس إلى عشر درجات، حيث كانت قناعتنا أن أطياف الضعف والإجادة تستحق أن يتم إظهارها بوضوح، فقد يكون الفيلم ضعيفاً فيحصل على درجتين، لكن إذا كانت به بعض المزايا كأداء ممتاز من ممثل، أو تتابع متقن في المونتاج، فإنه يستحق درجة ثالثة، وفي المقابل إذا كان الفيلم رائعاً ومن المتوقع أن يحظى بإعجاب كل أنواع المشاهدين عبر العصور فهو يستحق الدرجات العشرة، أما إذا كان رائعاً لكنه صعب الهضم على بعض فئات المشاهدين مثلاً، فتسع درجات تكفيه.. وطبعاً فإن الناقد صاحب الدرجة، عليه أن يوضح في مقاله ما يعبر عن هذه الدرجة المحددة بدقة، فالمسألة ليست مجرد "فيلم حلو أوفيلم وحش والسلام".. أتصور أن أي نقاش بين اثنين حول أي فيلم، لايجب أن يبدأ بسؤال "ايه رايك في الفيلم؟" بل أن يبدأ كالتالي: "تديله كام من عشرة؟"، فمساحة التقييم الواسعة، تجبر أي شخص على التفكير المتأني والموضوعي قبل أن يصدر حكمه.